أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

522

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

يقرأها الجمهور إلا بالرفع ، فدلّ على أن الآية محمولة على كلامين كما تقدّم ، لا على كلام واحد ، وهذا ظاهر . وقد ردّ الفخر الرازي على سيبويه بخمسة أوجه ، وذلك أنه فهم كما فهم صاحب « الكشاف » من تفضيل النصب ، قال الفخر الرازي : « الذي ذهب إليه سيبويه ليس بشيء ، ويدلّ على فساده وجوه : الأول : أنه طعن في القراءة المتواترة المنقولة عن الرسول وعن أعلام الأمة ، وذلك باطل قطعا ، فإن قال سيبويه : لا أقول إن القراءة بالرفع غير جائزة ، ولكني أقول : القراءة بالنصب أولى ، فنقول : رديء أيضا لأنّ ترجيح قراءة لم يقرأ بها إلا عيسى بن عمر على قراءة الرسول وجميع الأمة في عهد الصحابة والتابعين أمر منكر وكلام مردود . الثاني : لو كانت القراءة بالنصب أولى لوجب أن يكون في القراء من يقرأ : « وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما » « 1 » بالنصب ، ولمّا لم يوجد في القرّاء من يقرأ كذلك علمنا سقوط هذا القول . الثالث : أنّا إذا جعلنا « السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ » مبتدأ وخبره مضمر وهو الذي يقدّره : « فيما يتلى عليكم » بقي شيء آخر تتعلّق به الفاء في قوله : « فَاقْطَعُوا » . فإن قال : الفاء تتعلق بالفعل الذي دلّ عليه قوله : « وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ » يعني أنه إذا أتى بالسرقة فاقطعوا يده ، فتقول : إذا احتجت في آخر الأمر أن تقول : السارق والسارقة [ تقديره ] : من سرق ، فاذكر هذا أولا حتى لا تحتاج إلى الإضمار الذي ذكرته . الرابع : أنّا إذا اخترنا القراءة بالنصب لم تدلّ على أنّ السرقة علة لوجوب القطع ، وإذا اخترنا القراءة بالرفع أفادت الآية هذا المعنى ، ثم إنّ هذا المعنى متأكد بقوله : « جَزاءً بِما كَسَبا » فثبت أنّ القراءة بالرفع أولى . الخامس : أن سيبويه « 2 » قال : « وهم يقدّمون الأهمّ والذي هم ببيانه أعنى » فالقراءة بالرفع تقتضي تقديم ذكر كونه سارقا على ذكر وجوب القطع ، وهذا يقتضي أن يكون أكبر العناية مصروفا إلى شرح ما يتعلق بحال السارق من حيث إنه سارق ، وأما القراءة بالنصب فإنها تقتضي أن تكون العناية ببيان القطع أتمّ من العناية بكونه سارقا ، ومعلوم أنه ليس كذلك فإن المقصود في هذه الآية تقبيح السرقة والمبالغة في الزجر عنها ، فثبت أن القراءة بالرفع هي المتعينة » . انتهى ما زعم أنه ردّ على إمام الصناعة . والجواب عن الوجه الأول ما تقدّم جوابا عما قاله الزمخشري ، وقد تقدم ، ويؤيده نص سيبويه فإنه قال : « وقد يحسن ويستقيم : « عبد اللّه فاضربه » إذا كان مبنيا على مبتدأ مظهر أو مضمر ، فأمّا في المظهر فقوله : « هذا زيد فاضربه » وإن شئت لم يظهر هذا ويعمل كعمله إذا كان مظهرا ، وذلك قولك : « الهلال واللّه فانظر إليه » فكأنك قلت : « هذا الهلال » ثم جئت بالأمر ، ومن ذلك قول الشاعر : 1733 - وقائلة : خولان فانكح فتاتهم * وأكرومة الحيّين خلو كما هيا « 3 » هكذا سمع من العرب تنشده » يعني برفع « خولان » فمع قوله : « يحسن ويستقيم » كيف [ يكون ] طاعنا في الرفع ؟ وقوله : « فإن قال سيبويه إلى آخره » فسيبويه لا يقول ذلك ، وكيف يقوله وقد رجّح الرفع بما أوضحته ، وقوله :

--> ( 1 ) سورة النساء ، الآية ( 16 ) . ( 2 ) انظر الكتاب ( 1 / 15 ) . ( 3 ) انظر الكتاب ( 1 / 70 ) ، العيني ( 2 / 529 ) ، ابن يعيش ( 1 / 100 ) ، المغني ( 179 ) ، الدرر ( 1 / 79 ) .